القاضي عبد الجبار الهمذاني
207
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن العقل لا يدل على ما حل هذا المحل ، لأنه كلام في ما الّذي يختار المكلف عند الأمور الواقعة منه تعالى ، ولا دلالة في العقل على تفصيل « 1 » ذلك . وإنما يدل العقل في الحكيم أنه لا بدّ من أن يفعل أفعالا مخصوصة كنحو الواجب وما شاكله ، فأما في غير الحكيم فلا دليل يدل عليه . ولولا أن السمع حدّد أنه « 2 » تعالى يصح أن يفعل ما يفسد العبد عنده لكنه لا يختاره على ما بينا في قوله [ تعالى ] وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ « 3 » ، لما قطعنا على ذلك . فأما القطع على الحيثية الأخرى من جهة الفعل فواجب من حيث علمنا أنه تعالى مع التكليف لا بدّ من أن يفعل الأصلح بالعبد في فعل ما كلفه . فلو كان في مقدوره تعالى ما لو فعله لآمن الكفار عنده أو بعضهم لفعله لا محالة . فلما علمنا فقد ذلك ، علمنا أن ذلك غير معلوم في جملة المقدورات . ثم يقال له : لا فرق بين ما أوردته وبين من قال لك : إذا كان تعالى قادرا على أن يضطر العبد إلى الفعل ، فواجب أن يكون قادرا على أن يجعله فاعلا بأمر يرجع إليه دون العبد ؛ ويجب / إذا كان قادرا على أن يلجئه بأمر لا بد عنده من أن يكون فاعلا ، فيجب أن يكون قادرا على أن يجعله مختارا بأمر يجرى هذا المجرى . ثم يقال له : إذا كان تعالى قادرا على أن يدخل العبد في استحقاق العوض فيما يفعله به من الآلام ، فيجب أن يقدر على أن يدخله في استحقاق الثواب بفعل الطاعة فيه ، لأن القادر على الشيء قادر على ضده ومثله .
--> ( 1 ) غير منقوطة في الأصل : ولعلها تفصيل بالصاد المهملة . ( 2 ) في الأصل بأنه . ( 3 ) قرآن : س الشورى : 27 ، سبق الاستشهاد بها .